تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
معالي الشيخ د. يوسف بن محمد الغفيص
معالي الشيخ د. يوسف بن محمد الغفيص

من قوله: "ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال .." (8)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

ففي هذا اليوم، الأول من شهر صفر لعام (1439)، ينعقد المجلس الثامن في شرح "العقيدة الطحاوية" للإمام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله، لمعالي الشيخ يوسف بن محمد الغفيص؛ عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء سابقًا.

الإيمان بأشراط الساعة

قال المُصنِّف رحمه الله تعالى:

ونؤمن بأشراط الساعة: من خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض من موضعها.

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على عبده ورسوله نبينا محمدٍ، وآله وأصحابه أجمعين.

أما بعد:

فينعقد هذا المجلس في الأول من شهر صفر من سنة (1439) من الهجرة النبوية الشريفة، على صاحبها رسول الله الصلاة والسلام، في المسجد النبوي الشريف؛ مسجد النبي .

وفي تمام هذه الرسالة، التي كتبها العلامة أبو جعفر الطحاوي رحمه الله في اعتقاد المسلمين وما كان عليه الأئمة المهديون، كالأئمة الأربعة؛ وهم: مالكٌ، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وما كان عليه مَن قبلهم من أئمة الصحابة والتابعين، مما جاء في كتاب الله وسُنة نبيِّه .. وفي تمام هذه الرسالة، ذكر الشيخ رحمه الله: الإيمان بأشراط الساعة، وأشراط الساعة مذكورةٌ في كتاب الله وفي سُنة النبي ، وهي على مقاماتٍ؛ فمنها: الأشراط العُظمى والآيات العظمى، ومنها ما ذكره المُصنِّف، ومنها ما لم يذكره المُصنِّف هنا.

ومن أخص هذه الآيات: طلوع الشمس من مغربها؛ فهذه آيةٌ من آيات الساعة، وعلامةٌ من علاماتها، وهذا أمرٌ يقع في الكون يُجرِيه الله بأمره، فإن ربنا كما أخبر عن نفسه بقوله: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

ومن علامات الساعة وأشراطها وأماراتها الكبرى: ما يكون في آخر الزمان، من خروج المسيح الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج، ثم بعد ذلك ما يتلوه من نزول المسيح عيسى عليه الصلاة والسلام؛ فهذه كلها وأمثالها جاءت بها الآيات والأحاديث عن النبي ، ولا تقع تلك الآيات إلا في آخر الزمان.

وأما مبتدأ الأشراط، ومبتدأ علامات الساعة، ومبتدأ آياتها: فإن هذه بدأت قبل ذلك، بل إن رسالة النبي ونبوته آيةٌ من آيات قرب الساعة، فإنه قد جاء عن النبي كما جاء في "الصحيح" وغيره قوله : بُعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى [1]. وقال عليه الصلاة والسلام -كما روى الترمذي وغيره-: بُعثت أنا والساعة نستبق، كادت أن تسبقني فسبقتها، [2]، قال: بُعثت أنا والساعة نستبق، فهذا يدل على أن نبوة النبي كانت من الأمارات، ولكنك تعلم أن يومًا عند ربك كألف سنةٍ مما تعدُّون.

فإذا قيل هذا، فلا يقع للإنسان أن يتربَّص بالساعة وكأنه ينتظر صاحبًا له، ويُجريها على ما يُجري حاله، فإن أمر الساعة عند الله: يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ [الأحزاب:63]، قال الله جلَّ وعلا لنبيِّه : يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ [الأحزاب:63]، والساعة أمرها وتدبيرها عند الله ولكنها قريبةٌ؛ ولذلك جاء قوله جلَّ وعلا: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [الأحزاب:63]، ولكن لا يعلم مُرساها وميقاتها إلا الله جل وعلا.

ولكن جعل الله من الآيات ومن العلامات ومن أعظم هذه الآيات: ما يكون من طلوع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها؛ فإنه حينئذ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام:158]، ويُغلَق عندها باب التوبة.

وأما ما قبل ذلك: فإنه زمنٌ تكثر فيه الفتنة، أعني: زمن الدجال، وزمن يأجوج ومأجوج وهم قَبِيلٌ ذكرهم الله في كتابه بقوله: حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [الأنبياء:96]، وجاء ذكرهم في سُنة النبي .

وكذلك المسيح الدجال: وهو كذابٌ كافرٌ يخرج في آخر الزمان، فيُفتَن به من يُفتَن من قليلي الإيمان ومن مُبتغي الفتنة؛ ولهذا نهى النبي عن ابتغاء شأنه، وأمر بالنأي عنه وعما يعرضه من الكذب والبهتان والزور في أمر التدبير وأمر التكوين، وإنما يكذب على الناس بما يظهر من بعض الأحوال الكذب من جنس ما يكون لسائر الكذابين، إلا أن الله يجعل في أمره من الأمر الذي يُمضيه الله من بعض الأحوال التي تكون فتنةً لقليلي الإيمان، وإلا فأصله وشأنه على الكذب، ولكن يعرض من بعض الأحوال ما يقضيه الله ، وإلا فليس هو من أهل الإيمان ولا من أهل الصدق، وأمر التكوين هو أمر إلى الله جلَّ وعلا وحده لا شريك له.

فهذا الذي ذكره النبي يعقبه بعد ذلك خيرٌ كثيرٌ، من نزول عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، فإن عيسى عليه الصلاة والسلام لم يمت، كما أخبر الله بذلك في كتابه بقوله جلَّ وعلا: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء:158]، وينزل كما جاء في حديث النواس بن سمعان ، الذي أخرجه الإمام مسلم وغيره في حديثٍ طويلٍ ذكر فيه النبي  أمر الساعة وأشراطها، وفيه قال النبي : ثم ينزل عيسى ابن مريم، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قَطَرَ، وإذا رفعه تحدَّرَ منه جُمان كاللؤلؤ، ثم قال عليه الصلاة والسلام: فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق. [3]

فهذه الأحوال وغيرها تكون في آخر الزمان، وأما ما قبل ذلك من الآيات التي يُسمِّيها بعض العلماء بـ"أشراط الساعة الصغرى"، وهي المذكورة في مثل حديث النبي : أن تلد الأمَة ربَّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان [4]؛ فهذه كذلك آياتٌ من آيات الساعة، والمؤمن يجب عليه الإيمان بأشراطها، ما كان منها في آخر المقام، وما كان قبل ذلك.

مسائل في الإيمان بأشراط الساعة

ولكن من الفقه في الدين في مسألة أشراط الساعة أن تُعرَف مسائل:

المسألة الأولى: أنه يُوقَف في أشراط الساعة على القرآن والأحاديث الصحاح عن النبي ، فإن ثمة أوجهًا من الرواية ذكرها من ذكرها من أهل الرواية، أو بعض من نَقل عنهم من أهل التاريخ والأخبار، وبعضها من الروايات المُنكَرة، وصار بعض المعاصرين أو بعض المتأخرين يُكثِر من جمع هذه الروايات ومحاولة النظر فيها، وهذا من التكلُّف في دين الله؛ وإنما يُصار في هذه المسألة وغيرها من المسائل إلى ما حُفظ عن النبي .

المسألة الثانية: أنه لم يُشرَع للمسلم أن يتربَّص بأمر الساعة، وأن يُقلِّب حاله متى تأتي الساعة، فإن الناس لما سألوا النبي عن ذلك؛ بيَّن الله أن علم الساعة عنده وحده لا شريك له، وهو من عِلم رب العالمين سبحانه، وإنما الذي أُمِر به العباد أن يعبدوا الله، وأن يُخلِصوا الدين له، وأن يُقيموا القِسط بينهم، إلى غير ذلك من الأحكام التي شرعها الله لعباده. وأما أن يتربصوا بأمر الساعة، أو يُقلِّبوا أحوال الزمان، أو يُنزِّلوا أحوال الزمان على الساعة وعلى أشراطها؛ فهذا من التكلُّف في الدين، وربما كان من الافتيات على نصوص الشريعة.

فإن الآيات الصادقة والعلامات الثابتة التي جاء بها الكتاب والسُّنة إذا وقعت فإن الناس لا يغربون عنها، وإنما يعلمونها علمًا بيِّنًا، وهي آياتٌ بيِّناتٌ: كنزول عيسى ابن مريم، وظهور الدجال، وظهور يأجوج ومأجوج، وما إلى ذلك من الأشراط والعلامات.

وفي شأن الدجال: جاءت أحاديث في ابن صيادٍ، وهو رجلٌ كان بالمدينة من اليهود، وتكلَّم كثيرٌ من العلماء في ابن صيادٍ: أهو الدجال أم غيره؟ والذي عليه الأئمة أنه دجالٌ، ولكنه ليس المسيح الدجال الذي يخرج في آخر الزمان، فإن النبي  قال لعمر -كما جاء في "الصحيح" وغيره- لما راجعه في قتل ابن صياد: إن يكنه فلن تُسلَّط عليه، وإن لم يكنه فلا خيرَ لك في قتله [5]. والمسيح الدجال المذكور في آخر الزمان يخرج آخر الزمان، وليس في أول بعثة النبي ، ولكن ذاك الذي كان زمن النبي كان كذابًا من الكذابين، ثم ظهر فيه الإسلام نفاقًا فيما يظهر، والله تعالى أعلم.

عدم تصديق الكاهن والعرَّاف

القارئ: قال رحمه الله:
ولا نُصدِّق كاهنًا ولا عرّافًا، ولا من يدَّعي شيئًا يُخالِف الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة.

الشيخ: "ولا نُصدِّق كاهنًا ولا عرَّافًا".

الدين -أعني: دين الإسلام- جاء بحفظ العقول، وجاء بحفظ الدين، ومن حفظ دين الناس وحفظ عقولهم: أن الله نهاهم عن إتيان الكهنة، وإتيان العرَّافين، وإتيان الرمَّالين.

وكل من ادَّعى ما لا يقدر عليه إلا الله فإنه من الكذابين، سواءٌ سُمِّي ساحرًا أو سُمِّي عرَّافًا أو سُمِّي كاهنًا، وربما سُمِّي في بعض الأحوال أو في بعض الأزمنة أو في بعض الأمكنة بأسماءٍ تُوهِم بعض العامة؛ ربما سُمِّي هؤلاء من العرَّافين أو الكُهَّان أو السحرة أو المُشعوذين، ربما سُمُّوا في بعض الأحوال أو الأزمنة أو الأمكنة بأسماءٍ تُوهِم بعض العامة في شأنهم، وربما سَمَّوْا أنفسهم أو سمَّاهم من يتعصَّب لهم أو ينتفع بشأنهم من أصحاب الأموال أو غيرهم بـ"الروحانيين"، أو "بالعلماء الروحانيين"، أو بنحو ذلك، أو ربما سُمُّوا "شيوخًا"، وهم ليسوا كذلك.

حكم إتيان الكهنة والعرَّافين والسحرة

فمن ادَّعى شيئًا من الغيب، أو ادَّعى حالًا من الأحوال التي لا يقدر عليها إلا الله، أو كذَب على الناس؛ فهو كذابٌ من الكذابين، ومنهم من يكون بكذبه كذابًا، ومنهم من يكون بكذبه كافرًا كمن ادَّعى ما لا يقدر عليه إلا الله. فمن ادعى العلم بالغيبيات، أو بمستقبل الأمور، أو أنه هو الذي يشفي أو يكون بيده الشفاء، أو يكون بيده النفع والضر، إلى غير ذلك من الأحوال؛ فهؤلاء من الكذابين ومن الكُهَّان.

وقد قال النبي : من أتى كاهنًا أو عرَّافًا فسأله فصدَّقه؛ فقد كفر بما أنزل على محمدٍ [6].

فالواجب على المسلم أن يحذر من هؤلاء الكذابين، ومن هؤلاء العرَّافين الذين يدَّعون معرفة الغيبيات، ويدَّعون معرفة الأحوال؛ الأحوال العامة أو الأحوال الخاصة بأعيان الناس، وكل ذلك كذبٌ، ومن ادَّعى ذلك كفر.

وقد قال رسول الله : من أتى كاهنًا أو عرَّافًا فسأله فصدَّقه؛ فقد كفر بما أنزل على محمدٍ [7]، ومن أتاه ولم يُصدِّقه، فقد أصاب معصيةً وفتنةً، وقد قال النبي كما في "المسند" وغيره: من أتى عرَّافًا فسأله عن شيءٍ لم تُقبَل له صلاةٌ أربعين ليلةً [8].

وكذلك السحرة؛ فإن السحرة هم قومٌ ضلُّوا سواء السبيل، وقد قال الله في كتابه : وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69]، والواجب على المسلم أن يحذر من السحر ومن شأنه، ومن إتيان السحرة وإتيان العرَّافين وإتيان الكُهان، بأيِّ اسمٍ تَسمَّوْا به، وبأيِّ وهمٍ أوهموا به الناس، وإنما على المسلم إذا حزبه أمرٌ من شأنه أن يرجع إلى ربه ، كما كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام يقول في دعائه: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ۝وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ۝وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:78-80].

ولمَّا دعا النبي في الرقية بيَّن عليه الصلاة والسلام أن ذلك مِن أمر الله، وكان في دعاء الرقية المشروع: اللهم رب الناس، أذهب الباس، واشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا [9].

فبيده وحده النفع والضر، ولا يقدر أحدٌ من عباد الله على شيءٍ من أمر الله، ولكن صار في هؤلاء إذ اندرس العلم وكثُر الجهل في بعض الأقاليم أو بعض البلاد، كثُر فيها من يدَّعي ذلك من الكذابين، وصار بعض العامة يذهب إليهم، وهؤلاء يُلبِّسون على الناس دينهم، ويُلبِّسون عليهم أحوالهم، ويفتنونهم في دينهم، وربما أظهروا لمن يأتيهم من العامة أنهم على مقام من الدين والصدق والصلاح، وربما أمروهم بالصدقة ليُشفَى مرضاهم، فتكون هذه الصدقة من المُحدَثات في الدين، بما أدخلوا عليها من التغيير عن الصدقة الشرعية؛ كأن يأمروه أن يذبح كذا وكذا، في زمن كذا وكذا، وفي مكان كذا وكذا، ثم يقولون: تصدَّق بها على الفقراء.

فهذا الذبح وهذه الصدقة صدقةٌ بدعيةٌ غير مشروعةٍ؛ لأنها وُقِّتت لهذا المُكلَّف بزمانٍ لم يُوقِّته الله ولا رسوله، ووُقِّتت له بمكانٍ لم يُوقِّته الله ولا رسوله، إلى غير ذلك من الأوجه التي يخدعون بها من يخدعون من العامة.

ولهذا جاءت الشريعة مُحكَمةً قاطعةً بالنهي عن إتيان الكُهان والعرَّافين والرمَّالين والسحرة، ومن يُسمُّون بـ"الروحانيين" وبغير ذلك من الأسماء المُحدَثة والمُخترَعة. فإنهم إذا ظهروا في أماكن من الأماكن التي يظهر فيها شيءٌ من العلم؛ سَمَّوْا أنفسهم بأسماءٍ تُناسب ذلك، أعني: بعض العلوم التي تشيع في مجتمع من المجتمعات. وإذا ظهروا في مكان يكثُر فيه الجهل المُطبِق، حتى في علوم الدنيا؛ سَمَّوْا أنفسهم بأسماءٍ تُناسب ذلك، والناس في ذلك يُفتَنون بهم ويظنون أن شأنهم على ذلك، وقد قال الله جل وعلا في السحرة: وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:102].

الأحوال التي تقع من الكُهان والسحرة وفهم حقيقتها

فبعض الأحوال التي تقع من بعض الكُهان، أو بعض السحرة، أو نحو ذلك؛ فتكون فتنةً لبعض العامة، فعلى الناس أن يفقهوا أن هذا الأمر الذي صار بيد الله، وأن هذا التصرف الذي وقع عند هذا الكاهن أو عند هذا الساحر لا يخلو من ثلاثة أحوالٍ:

  • إما أن يكون كذبًا محضًا، والحقيقة ليست كذلك.
  • وإما أن يكون هذا الأمر وقع على الحقيقة، ولكن فيه قدرٌ من المخادعة للناس، وهو من مقدور آحاد الناس، فضلًا عمَّن تربَّص به وابتغاه.
  • وإما -وهو الفتنة التي تكثُر في حال الناس- أن يكون ذلك من مقدور الجن وليس من مقدور الإنس.

فإذا كان من مقدور الجن، فإنما هو مقدور مخلوقٍ من مخلوقات الله وهم الجن، فإن الجن يُعينون أولئك الشياطين، وهم يرون ما لا يراه بنو آدم. فإن الساحر ربما أخبر عن مكان السحر، فتوهَّم بعض العامة بأنه يعلم الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله وحده لا شريك له، كما قال الله جلَّ وعلا: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]، ومكان السحر الذي قيل:

  • إما أن يخبر به هذا الساحر، فيقول لمن كان مسحورًا بأن سحرك في مكان كذا وكذا، ويكون كاذبًا كسائر الكذب، ولكنه كذبٌ أبلغ.
  • وإما أن يكون أحدٌ من بني آدم ممن له صلةٌ بهذا الساحر قد أخبره بمكان السحر، أو هو الذي فعله معه، أو ما إلى ذلك، فيكون إخباره على هذا الوجه.
  • وإما أن يُخبر عن مكان السحر في مكانٍ بعيدٍ أو بلدٍ غائبٍ، فيكون البعض من الجن -من مردة الجن وكفرتهم الذين يستعين بهم ويخضعون لمرؤوسيهم ولكبرائهم- يُخبرونهم بمكان ذلك السحر، فإن الجن ترى ما لا يرى الإنس في كثير من الأحوال، كما قال الله جلَّ وعلا: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:27].

فإذا أخبر بعضُ الجن بعضَ الإنس من السحرة ونحوهم بمكان سحرٍ ما، لم يكن ذلك من اختصاص الساحر بشيءٍ عن أمر الله وقدرته ؛ فتكون الفتنة لبعض العامة في أن تميل نفوسهم إلى أولئك ويصدِّقونهم ويطيعونهم، ويبتغون ما يطلبون منهم إلى غير ذلك من الأوجه.

ولهذا مضت سُنة النبي في السحر وبطلانه، وهو وإن كان يقع به بعض الحقائق التي أُشير إليها، وهي التي يذكرها العلماء حين يقولون إن السحر له حقيقةٌ، فكذلك كونه يقع فيه الحقيقة، فإنه يقع فيه الكذب وهو الغالب في أمره، فإن فيه قدرًا واسعًا من الكذب. كما أنه قد تقع به الأحوال التي تكون على الحقيقة لما سبق الإشارة إليه ولأمثال ذلك من الأحوال، وإذا كان كذلك؛ عُلِم أن المؤمن يجب عليه أن يحذر من أمر السحرة، وأن يحذر من أمر الكُهّان، ومن أمر العرّافين.

ومن ادَّعى علم الغيب بشيءٍ فإنه يكون خارجًا عن ملة الإسلام، ومن كان خارجًا عن ملة الإسلام لا يصح لمسلمٍ يؤمن بالله ورسوله أن يأتي إليه وأن يسأله.

ولما صلى النبي صلاة الفجر بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل، قال عليه الصلاة والسلام: أتدرون ماذا قال ربكم؟، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال عليه الصلاة والسلام: قال: أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ، فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب [10].

فأمر التوحيد هو أصل الدين؛ في توحيد الله في ربوبيته، وفي توحيد الله في ألوهيته، وفي توحيد الله في أسمائه وأفعاله وصفاته، وأن يعرف العبد أن أولئك السحرة ضعفةٌ، وأنهم لا يُفلحون، وأنهم كذبةٌ، وقد بيَّن الله شأنهم في قصة موسى ، وقال جلَّ وعلا: إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69]، ولكن على المسلم أن يحذر هذه المادة بسائر أوجهها؛ لما فيها من الفتنة، وإن كانت أحكامها تكون مُتدرجةً على ما رتَّبته الشريعة وشرحه فقهاء المسلمين.

الجماعة حقٌّ والفُرقة زيغٌ

القارئ: قال رحمه الله:
ونرى الجماعة حقًّا وصوابًا، والفُرقة زيغًا وعذابًا.

الشيخ: "ونرى الجماعة حقًّا وصوابًا".

الجماعة: هي الاجتماع على دين الله، والاعتصام بحبل الله الذي قال الله فيه: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]، وفي قول الله جلَّ وعلا: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:63]، فالواجب على خاصة المسلمين وعلى عامتهم أن يجتمعوا على كتاب الله وعلى سُنة رسول الله ، وأن يَرْعَوا ما ذكره الله في قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10]، فالمؤمن أخو المؤمن، والمسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسْلمه ولا يخذله [11].

حكم الاجتماع على أولي الأمر

والاجتماع على أُولي الأمر من ولاة الأمور من المسلمين الذين جَعَلَ لهم الله في كتابه الطاعة، وشرع في حقهم السمع والطاعة، كما قال الله جلَّ وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ [النساء:59].

وبيَّن النبي فيما تواتر في سُنته حق أولي الأمر مما يلزم لهم من السمع والطاعة بالمعروف، واجتماع الكلمة عليهم، فإن هذه الكلمة إذا اجتمعت على أولي الأمر حصل الأمن للناس، والأمن من أخص مقاصد الرسالة ومقاصد التشريع؛ ولهذا دعا به إبراهيم عليه الصلاة والسلام، كما جاء في كتاب الله في قول الله جلَّ وعلا: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا [البقرة:126].

فأمن الناس مما هو من ضروراتهم، ومما هو من لازم حالهم، والناس يريدون الأمن بطبيعتهم وبفطرتهم، والناس مائلون عن خلاف ذلك؛ ولذلك شرعت الشريعة من الأسباب التي تجمع الكلمة من الوعظ الذي وعظ الله به عباده في كتابه، وأمرهم أن يجتمعوا على كتابه وسُنة نبيِّه. ولكن لأن بعض النفوس قد تَفْتَات عن ذلك، فشُرع من الأحكام وشُرع من حق السلطان ما تجتمع به كلمة المسلمين، وما يَنتظِم به الأمر، وما تأمن به الديار، وما يحصل به من أمن الأموال والأعراض والدماء والأنفس، إلى غير ذلك.

وعن هذا، شَرع الله الحدود، فإن الحدود شُرعت لإقامة أمن الناس ولإقامة العدل بينهم، وإلا فإن بعض الذنوب والمعاصي المغلَّظة التي هي أعظم عند الله مما ورد فيه حدٌّ، لم يُشرَع فيها حدٌّ في الدنيا، وإنما شُرعت الحدود في الدنيا في المعاصي التي بوقوعها يقع من افتيات الأمن: إما في الدين، وإما في العرض، وإما في المال، وإما في النفس؛ كما في أحكام السارق والزاني وغير ذلك. وجاءت الشريعة بهذا، وجاءت جميع الشرائع بهذا.

وهذه هي الفطرة التي فطر الله بني آدم عليها؛ من حرصهم على الأمن، وعلى العدل والاعتدال، والنفوس التي تخرج عن ذلك خارجةٌ عن هذه الفطرة المعتدلة السليمة التي جاءت الشريعة بتحقيقها وبيانها؛ ولهذا صار علماء السُّنة رحمهم الله يُقرِّرون في كُتب أصول الدين ما شرعته الشريعة من الاعتصام بحبل الله والاجتماع على كتاب الله وسُنة نبيِّه، والسمع والطاعة لأولي الأمر؛ فإن هذا برهانه بيِّنٌ في كلام الله ورسوله عليه الصلاة والسلام.

الإسلام هو دين الله في الأرض والسماء

القارئ: قال المُصنِّف رحمه الله تعالى:
ودين الله في الأرض والسماء واحدٌ، وهو دين الإسلام، قال الله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران:19].

الشيخ: "ودين الله في الأرض والسماء واحدٌ، وهو دين الإسلام"؛ أي: إن دين الإسلام -وهو توحيد الله، وإخلاص الدين له، وعبادته وحده لا شريك له- هو دين الله الذي شرعه الله لسائر خلقه، فإن الملائكة عليهم الصلاة والسلام يعبدون الله بالإسلام، وهذا الإسلام هو استجابتهم لأمر الله جلَّ وعلا الذي ذكره الله بقوله: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20]، وبمثل قوله: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، فجبريل  من المسلمين؛ أي: إنه مؤمنٌ بالله مستجيبٌ لأمره مُسلِّمٌ لربه ، كما قال الله جلَّ وعلا عن أنبيائه وعن رسله، فوصفهم بهذا المقام الشريف.

ما المراد بالإسلام؟

فالإسلام هنا: يُراد به التوحيد، ويُراد به إخلاص الدين لله، ويُراد به الاستجابة لأمر الله، ويُراد به توحيد الله  بأنه رب العالمين، وأنه مالك يوم الدين، وأنه الرحمن الرحيم، وأنه المعبود وحده لا شريك له.

فإذا كان الإسلام على هذا المعنى، فهو الإسلام الذي ذكره الله دينًا لخلقه أجمعين، كما قال ربنا جلَّ وعلا: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران:19]، وكما قال الله جلَّ وعلا: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85]، وكما قال الله جلَّ وعلا: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ [الحج:78]، وكما قال الله جلَّ وعلا: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا [آل عمران:67].

ويُذكَر الإسلام في نصوص الشريعة، في نصوص الكتاب والسُّنة ويُراد به المعنى الخاص، الذي هو الشريعة التي جاء بها النبي ، فيكون في هذا السياق وأمثاله من المعاني المختصة بشريعة النبي ، ومنه قول الرسول كما في "الصحيحين" وغيرهما: بُني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج [12].

فهذا من وجهٍ يُجامع دين الإسلام بمعناه العام، ومن وجهٍ يكون على المعنى المختص بشريعة النبي ؛ فالإسلام هو توحيد الله، وهو عبادته، وهو الإيمان به جلَّ وعلا.

كما أن هذا الدين وهذا الإسلام يُسمى "الإيمان"، كما بيَّنه الله في كتابه في مثل قوله: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ۝الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2] إلى غير ذلك من المقامات، أو ذكره النبي كما في حديث عبدالقيس -المتفق على صحته- من حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما، وجاء في "الصحيح" من رواية غيره لمَّا قال لأولئك الوفد: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدُّوا الخُمُس من المَغْنَم [13]، فهذه الشعائر تُسمَّى إيمانًا وتُسمَّى إسلامًا.

واسم الإيمان والإسلام يرد في كتاب الله وفي سُنة رسول الله على مقاماتٍ، وإذا ذُكر الإسلام في مقام الرتبة الأولى وفي مقام الأصل فإن الإيمان هنا يكون على التحقيق، وهذا كقول الله جلَّ وعلا: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14]، فهذا الإسلام الذي أُضيف للأعراب ليس هو الإسلام الذي ذكره الله في قوله جلَّ وعلا عن إبراهيم : وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا [آل عمران:67]، فإن الاسم هنا يكون على مقامه الأدنى رتبة، ويكون على مقامه الأعلى رتبة.

فإن الدين مراتب، كما قال النبي في الإيمان: الإيمان بضعٌ وسبعون، أو بضعٌ وستون شعبةً، فأفضلها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبةٌ من الإيمان [14].

دين الأنبياء واحدٌ

ومقصود المُصنِّف هنا: أن دين الإسلام الذي جاء به رسول الله هو دين الأنبياء من قبل؛ وهو توحيد الله، وهو إخلاص الدين لله ، وهو العدل والقسط، وهو الأمر بالمعروف، وهو النهي عن المنكر، وهو العدل في أحوال الناس وفي تصرفاتهم وأفعالهم، فإن دين جميع الأنبياء مبنيٌّ على هذه الحقائق من الحقائق الكلية الشرعية، والحقائق العدلية التي اتفقت عليها النبوات.

وعن هذا قال الله جلَّ وعلا في كتابه: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [النساء:163]، فذَكَرَ الله جلَّ وعلا: أن الوحي الذي أوحاه إلى نبيِّه وأن الدين الذي بعث به نبيَّه محمدًا هو الدين الذي بعث به نوحًا والنبيين من بعده عليهم الصلاة والسلام.

حتى ذكر الله جلَّ وعلا في هذا السياق من مفصَّل أحوال النبيين، وإن لم يكونوا من أولي العزم من المرسلين، فقال: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ۝وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:163-164] فلم يذكر موسى في أول الآيات، لكن الله أشاد بذكره بذلك بقوله: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا [النساء:164]، ثم قال سبحانه: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165].

فصار برسل الله صلى الله عليهم أجمعين الحُجة البالغة على الخلق، وهي حجة الله على خلقه، قال: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165]، وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [الأحزاب:3]، ثم قال : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:167]، ثم جاء قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا ۝ إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء:168-169].

ثم نادى الله وخاطب عباده أجمعين أن يتبعوا دينه وأن يُصدِّقوا المرسلين، فقال جلَّ وعلا: يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:170]، ثم خاطب الله خطابًا خاصًّا من عموم الناس، فإن الخطاب الأول كما تراه في أول الآية: يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ [النساء:170].

ثم خاطب الله القوم الذين لهم اختصاصٌ وهم أهل الكتاب فقال: يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [النساء:171].

وأنت ترى هنا أن الله لمَّا ذكر ما كانوا يعبدون من عموم المشركين؛ ذكر أن الله له ما في السماوات والأرض، ولمَّا ذكر ما عبده أهل الكتاب؛ ذكر الله أنه له ما في السماوات وما في الأرض، وهذا من بلاغة القرآن وتحقيقه في ذكر المقامات، فإن المعبودين من شرك المشركين -وهي الأوثان التي يعبدونها من دون الله- هي تَبَعٌ للدنيا وما فيها، وليس لها اختصاصٌ بذاتها؛ ولهذا جاءت الآية بقول الله جلَّ وعلا: فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النساء:170]. ولم يأتِ السياق {وما في الأرض} مفردةً، وإنما قال الله في أولئك المعبودات من معبودات عموم الناس؛ لأنها أوثانٌ وأحجارٌ ونحو ذلك، قال: فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ لأنها متبوعةٌ لهم، ولأنها مُحقَّرةٌ في شأنها، فهي تبعٌ للأرض وما فيها، فلم يأتِ فيها إعادةٌ ليكون لها من الاختصاص ما يكون.

ولما كان مُنحرفة أهل الكتاب يعبدون مَن هم مِن أنبياء الله ورُسله كعيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، بيَّن الله اختصاصه بالإشارة إلى ذلك بقوله: لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إشادةً لشأنهم، ولكن ذلك لا يكون موجبًا لعبادتهم؛ ولذلك جاء بعد ذلك ما بيَّنه الله من حق التوحيد الذي هو توحيد الله بقوله: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا [النساء:172].

فهذه الآيات وأمثالها من جوامع كتاب الله تُبيِّن أن دين الأنبياء واحدٌ، وأن الدين الذي شرعه الله لعباده هو أن يعبدوا الله، وأن يُحقِّقوا هذا الدين في قلوبهم وفي نفوسهم؛ حتى تصلح نفوسهم وقلوبهم، فإن النبي بيَّن أن القلب إذا صلح صلح الجسد كله، كما جاء ذلك في حديث النعمان بن بشيرٍ  في قول النبي : ألا وإن في الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب [15].

فعلى المؤمن أن يعرف أصل دين الإسلام، وأن يفقهه، وأن يتبصَّر فيه، وأن يحذر مما يُنافي ذلك من البدع والمُحدَثات التي تُنافي تحقيق التوحيد، أو تُنافي حماية جناب التوحيد، وأن يكون مُحقِّقًا لعبودية الله على ما شرعها الله ، وأن يكون مُقتديًا بسُنة النبي ، وألا يُقدِّم على سُنة رسول الله قول أحدٍ كائنًا من كان، مع حُسن التقدير والتوقير لعلماء المسلمين وما هم عليه من الاتِّباع والفقه في الدين.

القارئ: قال رحمه الله:

الإسلام دينٌ وسطٌ:

بين الغلو والتقصير

وهو بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر..

الشيخ: "وهو بين الغلو والتقصير".

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ما شرع الله على لسان نبيٍّ من الأنبياء شريعةً إلا وللشيطان فيها حظُّ: إما أن يجتال الناس عنها بالإفراط، وإما أن يجتالهم عنها بالتفريط".

خطر الغلو في الدين

فكثيرٌ من الناس يُبتلى في دينه بالإفراط وهو الغلو في الدين، والغلو في الدين هو سبب الفتنة؛ بل إن الشرك إنما وقع في بني آدم بسبب الغلو في الدين، فإن الله خلق آدم موحِّدًا مؤمنًا، وحصل في بنيه المعصية، لكن لم يحصل في ابتداء الأمر ما هو أعظم من المعصية وهو الشرك بالله ، وإلا صار في ابنَيْ آدم ما صار من القتل وسفك الدماء، وهو من أصول الكبائر وأمهات الكبائر التي ذكرها الله في قوله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ۝لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ۝إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ۝فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة:27-30].

فكانت المعصية الكبيرة في بني آدم وفي ابنَيْه، فكان أحدهما صالحًا وكان الآخر ظالمًا، وهذا صار في الأنبياء في ذريتهم من بعد كما قال الله جلَّ وعلا: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات:113]، لكن لم يقع آئذاك الكفر بالله والشرك به ، حتى حدث في قوم نوحٍ ، وأصل ذلك هو تعظيم الصالحين والغلو فيهم.

فلما غلا أولئك القوم من قوم نوحٍ في أولئك الصالحين، وبعدما أحبُّوهم وصاروا على تقرُّبٍ في شأنهم؛ غَلَوا بعد ذلك حتى عبدوهم، فبعث الله رسوله نوحًا عليه الصلاة والسلام يدعوهم إلى توحيد الله جلَّ وعلا، وتمسكوا بتلك المعبودات التي ذكرها الله في قوله جلَّ وعلا: وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ [نوح:23] فتلك الآلهة معبودةٌ من دون الله ، لكن هذا الشرك كان أصله هو الغلو في الدين؛ ولهذا نهى الله عباده عن الغلو في الدين، حتى لو كان في آحاد الأعمال، كما قال في أهل الكتاب: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ [الحديد:27]، فالدين دين الوسط ودين العدل.

قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله في كتاب "التوحيد": "باب: ما جاء في أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين"، فهذا هو أصل الانحراف.

خطر التفريط في الدين

ويُقابل الغلوَّ في الدين -في أصول الدين أو فروعه- ما يكون مقابلًا لذلك: من الجفاء، ومن التفريط في دين الله، ومن التعدي لحدود الله، ومن إتيان الموبقات التي حرَّمها الله . فهذا هو الباب الآخر، وهذه هي الفتنة التالية التي يتلو بها الشيطان، فيُتمِّم بها شرَّه على الناس، ولكن ربنا قصَر أمرَه، واصطفى عباده، وأخلص مِن عباده مَن أخلص بفضله ورحمته، فسلَّمهم إلى اتِّباع ما جاء به جلَّ وعلا، وما بعث به أنبياءه ورُسله عليهم الصلاة والسلام.

والمقصود: أن هذا طريقٌ وذاك طريقٌ، فإن الشيطان: إما أن يأتي الإنسان من الغلو والزيادة في الدين، فيَحسب أنه يُحسِن صنعًا وهو ليس كذلك، وإما أن يُخفِّف عليه أمر الطاعة أو فعل المعصية، فيدع ما أوجب الله عليه أو يقع فيما حرَّم الله عليه، فإذا كان كذلك افتتنت نفسه، وغفل عن ذكر الله .

والمؤمن عليه أن يُراجع، وأن يُلزِم نفسه طاعة الله، وأن يسأل الله التثبيت، وأن يُكثر من الاستغفار؛ فإن الاستغفار من أخص موجبات التثبيت التي يُثبت الله جلَّ وعلا بها من يشاء من عباده.

القارئ: قال رحمه الله:

وبين التشبيه والتعطيل

وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس.

الشيخ: "التشبيه والتعطيل" هذا في مقام الصفات، وسبق ذلك في أوائل الرسالة. والمقصود: أن هدي الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم يؤمنون بصفات الله وأفعاله، ولا يُشبِّهون الله في أفعاله وصفاته بخلقه؛ لأن ربنا كما أخبر عن نفسه بقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].

فالله له صفات الكمال، وهو الخالق وما سواه مخلوقٌ، وهو الكامل جلَّ وعلا بما جعل لنفسه من صفات الكمال، وهو الأول الذي ليس قبله شيءٌ، وهو الآخر الذي ليس بعده شيءٌ، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيءٌ، وهو الباطن الذي ليس دونه شيءٌ. وأما الخلق فإنهم جميعًا فقراء، وهم ناقصون، وهم مقصورون عن أمر الله .

والله جلَّ وعلا له الأسماء الحسنى التي لا تليق إلا به، وله الأفعال والصفات التي لا تليق إلا به؛ فلا تعطيل في أسماء الله وصفاته، ولا تأويل في ذلك بما حدث من أنواع التأويل المُحدَثة، وإنما هو الإيمان والتسليم والتحقيق والعلم والمعرفة.

ولا تشبيه في أفعال الله وصفاته، وهذا هو مقتضى الفطرة، وهذا هو مقتضى العقل، فضلًا عن كونه الذي جاء به الشرع في دين جميع الأنبياء من الإيمان بحق الله ، واختصاصه جل وعلا بالأسماء الحسنى، وبصفات الكمال التي لا يُشابهها فيه غيره جلَّ وعلا من خلقه.

فإن الله منزَّهٌ عن أفعال العباد وعن تصرفاتهم وعما هم عليه، فإن حال الإنسان على النقص والفقر مهما علت حاله ومهما طال شأنه؛ فإنه فقيرٌ إلى ربه، فعلمه -أعني العبد- مسبوقٌ بالجهل ويعقبه نسيان، وكذلك سائر المدارك لديه. وأما ربنا جلَّ وعلا فهو بكل شيء عليمٌ، وعلى كل شيء قديرٌ، وهو الخالق وما سواه مخلوقٌ، إلى غير ذلك من آلائه وأفعاله وأسمائه وصفاته التي ذكرها الله في كتابه، وذكرها النبي في سُنته، وأصولها معروفةٌ بالعقل والفطرة، لكن جاءت الشريعة مبيِّنةً لمُفصَّلها، ومبيِّنةً لأحكامها.

وعلى المسلم أن يعبد ربه بإيمانه بأسماء الله وصفاته، وأن يدعو الله بها، كما قال ربنا جلَّ وعلا: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ [الأعراف:180].

القارئ: قال رحمه الله:

وبين الجبر والقدر

وبين الجبر والقدر..

الشيخ: "وبين الجبر والقدر".

هذا في وسطية أهل السُّنة والجماعة في قدر الله.

"بين الجبر"؛ أي: إن العباد مجبورون على أفعالهم، فهذا قول الجبرية، وهو قولٌ باطلٌ؛ أو: نفي القدر، وأن العباد مستقلون بأفعالهم، وهذا قولٌ باطلٌ.

بل العباد لهم مشيئةٌ وإرادةٌ، ولكن مع الإيمان بقضاء الله وقدره، وقدر الله وعلمه بكل شيءٍ، وعلمه بأفعال عباده قبل كونها. ومن مقامات الإيمان بقدر الله: الإيمان بأن الله هو الخالق، وما سواه مخلوقٌ، وأنه دخل في عموم خَلْقِهِ: خَلْقُهُ جلَّ وعلا لأفعال العباد.

الأصول في مسألة الإيمان بالقضاء والقدر

وثمة أصولٌ سبعةٌ تجمع مسألة القدر، وتجمع مسألة الإيمان بالقضاء والقدر في أفعال العباد:

  • الأصل الأول: الإيمان بعموم علم الرب بكل شيءٍ، ودخل في عموم عِلْمِه: عِلْمُه بأفعال العباد قبل كونها. هذا الأصل الأول في قدر الله: أن يؤمن العبد المسلم بعموم علم رب العالمين بكل شيءٍ، فربنا بكل شيءٍ عليم الإيمان، بعموم علم الله، ودخل في عموم عِلْمِه: عِلْمُه جلَّ علا بأفعال عباده قبل كونها وعند كونها. وهذا الأصل هو أعظم الأصول في القدر، ومن تحقَّق له العلم بهذا الأصل على التحقيق؛ زالت عنه جميع الشبهات التي تَعرِض لبعض الناس في مسألة القدر؛ ولذلك كان الأئمة كأحمد وأمثاله لما ظهر ما ظهر من الشبهات في القدر، كان يقول رحمه الله: "ناظروهم بالعلم"؛ لأن هذا الأصل إذا رددت إليه جميع الشبهات التي قيلت؛ دَفَعها وأبطلها.

فهو أصلٌ شريفٌ من أصول العلم الإلهي؛ الإيمان بعموم علم الرب بكل شيءٍ، وأنه دخل في عموم علمه بأفعال العباد قبل كونها وعند كونها، وفي سائر درجاتها وأحوالها، وأدلة هذا مستفيضةٌ في الكتاب والسُّنة والإجماع، فضلًا عن كونه من الأصول المعلومة بالعقل والفطرة.

  • الأصل الثاني: الإيمان بعموم خلق الله لكل شيءٍ، كما قال الله جلَّ وعلا: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:62]، ودخل في عموم خَلْقِه: خَلْقُه لأفعال عباده، وهو الخالق لأفعال العباد؛ خلافًا للقدرية، قالوا بخلاف ذلك.
  • الأصل الثالث: الإيمان بعموم مشيئة الرب ، وأن ما شاء جلَّ وعلا كان، وما لم يشأ لم يكن، فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125]، ودلائل هذا كثيرةٌ مستفيضةٌ في كتاب الله وسُنة نبيِّه  .
  • الأصل الرابع: الإيمان بأن الله كتب أفعال العباد قبل أن يخلقهم، وأن ربنا كتب في الذِّكر كل شيءٍ، كما قال النبي : كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ، وكان عرشه على الماء [16]، رواه مسلم وغيره، من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

والكتابة مذكورةٌ في آيات الكتاب، في القرآن وفي سُنة النبي ، وهي مقاماتٌ مُفصَّلةٌ؛ كالكتابة التي تكون عند نفخ الروح، كما جاء في حديث عبدالله بن مسعود في "الصحيح" وغيره: ويُؤمَر المَلَك بأربع كلماتٍ: بِكَتْبِ رزقه، وأجله، وعمله، وشقيٌّ أو سعيدٌ [17]، فهذه نوعٌ من الكتابة.

والمقصود في عموم هذا الأصل: الإيمان بأن الله كتب في الذكر كل شيءٍ، وأن الله كتب مقادير الخلق، فلا يقع للعبد إلا ما كتبه الله .

  • الأصل الخامس: الإيمان بأن العباد خلقهم الله مختارين، لهم إرادة ولهم مشيئة بيَّنها الله بقوله: مِّنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِّنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران:152]، ولكن إرادتهم ومشيئتهم تابعةٌ للرب جلَّ وعلا، ولا يخرجون عن مشيئة ربهم وعن قضائه وحكمه وتدبيره، وإن كانوا قد يعصونه في أمره، فيكون ما شاءه ربهم جلَّ وعلا وعَلِمَه وقَدَّره لا يرضاه منهم فعلًا، بل يكون مما نهاهم عنه، وقد يكون مما أمرهم به، فيكون جلَّ وعلا شاءه منهم وأراده منهم ورضيه منهم؛ كإيمانهم وبِرّهم وتوحيدهم وإخلاصهم لربهم جلَّ وعلا.
    فالعباد لهم مشيئةٌ لكنها مشيئة قاصرة، بيَّن الله ذلك في كتابه بقوله: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29]، وهذا أمرٌ مُدْرَكٌ بالحس وبالفطرة، فضلًا عن المتواتر من أدلة الشريعة.
  • الأصل السادس: الإيمان بحكمة الرب جلَّ وعلا في أفعاله، وأن جميع ما قدَّره الله وقضاه وأمر به وشرعه؛ فإن ذلك عائدٌ إلى حكمة رب العالمين.
    الإيمان بحكمة الله في خلقه وفعله، وفي شرعه وأمره، فجميع ما قدره الله من الأحوال الكونية، مما يعلمه الناس وما لا يعلمونه وما غاب عنهم مما لا يعلمه إلا هو، فجميع أفعال الرب وجميع أمره وتشريعه؛ فإن ذلك راجعٌ إلى حكمة رب العالمين، وهذه الحكمة البالغة لرب العالمين جلَّ وعلا لا يُحيط بها أحدٌ، لكن أطلع الله جلَّ وعلا أنبياءه ورسله على مقاماتٍ منها، وعرف المؤمنون قدْرًا منها بما بلغهم من الشريعة وبما جعل الله في نفوسهم من الفطرة، لكن لا يُحاط بحكمة الله .
  • الأصل السابع: الإيمان بوعد الله ووعيده، وأن الله وعد عباده المؤمنين وكتب أحوالهم وكتب مآلهم، فكتب ما هم عاملون ووفَّقهم لطاعته، وكتب مآلهم في جنَّته، وما أعدَّ لهم من الثواب.
    وتوعَّد من كفر بالله فكتب الله عمله وما هو عليه من الكفر، وإن كان العبد هو الكافر والفاجر، وكتب الله لأولئك المعاندين له ولرسله من الكفرة ما هم عليه من المآل في العذاب، وما هم عليه من المآل في العقاب.

وقدر الله جلَّ وعلا ليس هو المآل وحده، وإنما هو الحال والمآل، ومن فقه هذه الجملة زالت عنه كثيرٌ من الشبهات في مسألة القدر، وهي أن قدر الله ليس المآل وحده، وإنما هو الحال والمآل. فمن كتبه الله من أهل الجنة؛ فربنا الذي كتبه من أهل الجنة يُوفِّقه لعمل أهل الجنة، ومن كتبه الله في النار؛ فإن الله قدَّر أنه يكون من المعاندين ومن الظالمين المُعرِضين عن دين الله ، وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:48].

وأما ما يُقدِّره الشيطان في نفوس بعض الجُهّال، فيقول أو يقع في نفسه: إن كان الله قد كتب أنه في الجنة، فسيكون من أهل الجنة ولو لم يؤمن، فهذا جهلٌ بحقيقة القدر وعلمه، فإن القدر هو الحال والمآل، والحال والمآل على اتصالٍ؛ ولذلك إنما يأتي الشيطان بهذه الشبهة الكاذبة، وبهذا الوهم الكاذب، إنما يبتلي به بعض النفوس الضعيفة في مسألة الطاعة وحدها.

فهذه الأصول السبعة هي الأصول الجامعة لهذا الأصل الشريف، وهو الإيمان بالقضاء والقدر. وما يقع من الشبهات، فإنها ليست من الشبهات العلمية، وإنما هي من الشبهات الوهمية التي يُلقيها الشيطان في نفوس بعض الناس؛ ولذلك قد يَعرِض لبعض الناس من القول بأنه إذا كان من أهل الجنة، فسيصير من أهلها وإن لم يؤمن، فهذه الشبهة شبهةٌ كاذبةٌ؛ ولهذا لا تجد أن الشيطان يُلقيها في نفسه في مسائل أمور الدنيا، فإنه لا يُعرَف عن أحدٍ أنه ترك الزواج وقال: إن كان قد كُتب له الولد فسيأتيه ولدٌ، ذكرًا أو أنثى، إلى غير ذلك وهو لم يتزوج، وإنما يُعرَف أن هذا لا بُدَّ له من سببٍ قد جُعل كونًا، كما أن الأعمال الصالحة قد جُعلت سببًا من حيث الشريعة.

والمقصود: أن الإيمان بالقدر جِماعُه هذه الأصول التي ذكرها الله ، وذكرها النبي ، وهو نظام التوحيد، كما قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "القدر نظام التوحيد".

فعلى المؤمن أن يلزم هذا الأصل إيمانًا وتحقيقًا، وأن يعبد الله بما يقتضيه.

القارئ: قال رحمه الله:

وبين الأمن والإياس

وبين الأمن والإياس.

الشيخ: المؤمن لا يأمن مكر الله، ولا يَقنَط من روح الله ورحمته؛ وإنما يكون حاله بين الخوف والرجاء، يعبد الله محبةً، ويعبد الله رجاءً، ويعبد الله خوفًا.

القارئ: قال رحمه الله:

خاتمة

فهذا دينُنا واعتقادنا ظاهرًا وباطنًا، ونحن بَرآءٌ إلى الله مِن كل مَن خالف الذي ذكرناه وبيَّناه.
ونسأل الله تعالى أن يُثبِّتنا على الإيمان ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة والآراء المُتفرِّقة، والمذاهب الرَّدِية؛ مثل: المُشبِّهة والمُعتزِلة والجهمية والجبرية والقدرية، وغيرهم من الذين خالفوا السُّنة والجماعة وحالفوا الضلالة، ونحن منهم بَرآءٌ، وهم عندنا ضُلَّالٌ وأردياء، وبالله العصمة والتوفيق.

الشيخ: ختم الطحاوي رحمه الله هذه الرسالة التي كتبها في الاعتقاد، وجعل في مُقدَّمها أنها عقيدة الإمام أبي حنيفة، وإن كانت في جملتها -إلا ما سبق التنبيه عليه- هي من الاعتقاد المُجمَع عليه.

ولذلك يكون هذا المجلس مُتمِّمًا بتوفيق الله لهذه الرسالة، وباستئناف الدرس في الشهر القابل إن شاء الله: إما أن نصير في يوم السبت إلى كتابٍ آخر ويكون في الفقه، وإما أن نُتمِّم اليومين في جميع مجالسها في كتاب "الرسالة"، وهذا يُتَّفق عليه إن شاء الله، أو يصلكم في إعلان الدرس من قِبَل الإخوة في الرئاسة.

هذا، ونسأل الله جلَّ وعلا، بأسمائه وصفاته، أن يُوفِّقنا وإياكم لطاعته، وأن يجعلنا هداةً مُهتدين، وأن يغفر لنا ولوالدِينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين.

كما نسأله جلَّ وعلا أن يُوفِّق ولاة أمورنا لكل خيرٍ، وأن يجعلهم هداةً مُهتدين، كما نسأله جلَّ وعلا أن يجعل هذا البلد آمنًا مُطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين، وأن يُوفِّقنا لما يحب ويرضى، وأن يُؤتي نفوسنا تقواها، وأن يُزكِّيها جلَّ وعلا، هو خير من زكَّاها.

اللهم لك الحمد، ولك الفضل، ولك الثناء الحسن.

ويُستأنَف الدرس إن شاء الله على نهاية شهر صفر، وهكذا في نهاية كل شهرٍ هجريٍّ، ويكون هناك إعلانٌ بتوفيق الله وتيسيره وإذنه.

وصلَّى الله وسلَّم على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا.

^1 رواه البخاري: 4936، ومسلم: 2951.
^2 رواه الترمذي بلفظ: "بُعِثْتُ فِي نَفَسِ السَّاعَةِ فَسَبَقْتُهَا كَمَا سَبَقَتْ هَذِهِ هَذِهِ"، وأشار لِأُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى: 2213، وأخرجه الضياء في "المختارة": 1542، وابن عساكر (9/ 334) واللفظ لهما وفي أوله زيادةٌ، وابن أبي عاصم في "الزهد": 208 مُختصرًا.
^3 رواه مسلم: 2937.
^4 رواه مسلم: 8.
^5 رواه البخاري: 3055، ومسلم: 2930.
^6 رواه أبو داود: 3904، والترمذي: 135، والنسائي: 8968، وابن ماجه: 639، وأحمد في "المسند": 9536، والطبراني في "المعجم الأوسط": 1453؛ وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 5939.
^7 سبق تخريجه
^8 رواه مسلم: 2230.
^9 رواه البخاري: 5675، ومسلم: 2191.
^10 رواه البخاري: 4147، ومسلم: 71.
^11 رواه البخاري: 6951، ومسلم: 2564.
^12 رواه البخاري: 8، ومسلم: 16.
^13 رواه البخاري: 53، ومسلم: 17.
^14 رواه البخاري: 9، ومسلم: 35.
^15 رواه البخاري: 52، ومسلم: 1599.
^16 رواه مسلم: 2653.
^17 رواه البخاري: 3208، ومسلم: 2643.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي ١٤٤٧ هـ ©